يحكى أن المقاتل الأسطوري (باراميسوارا) هرب في القرن الرابع عشر من منطقة فليمبان بجزيرة سومطرة مبتعدا عن أعدائه الجاوة، إلى جزيرة تسمى (تيماسيك) وهي سنغافورة حاليا، فعين نفسه ملكا للجزيرة لفترة وجيزة، بعدها احتل الجزيرة الجيش السيامي، فانطلق وفئة من جماعته إلى لسان نهر يدعى (بيرتام)، فرأى أيلاً، ويسمى باللغة الملايوية (بلاندوك) يرفس أحد كلابه، فانبهر من بادرة هذا الحيوان الشجاع، فقرر حينها أن يبني مدينته في تلك البقعة. وقتها سأل خدمه وحشمه عن اسم شجرة شهدت معه هذا البادرة الباهرة، فأخبر بأن الشجرة تسمى (ملاكا) عندها سمى المدينة باسم تلك الشجرة عام 1400 ميلادية.
اتخذ باراميسوارا لهذه المدينة موقعا استراتيجيا، فهي تقع في منتصف مضيق ملاكا، الذي يربط المدينة بالصين، ومن ثم الهند، ودول الشرق الأدنى، الأمر الذي جعل التجار يعدونها مركزا تجاريا رئيسيا. تطورت هذه المدينة بشكل سريع، وفي غضون 50 سنة أصبحت ملاكا محورا تجاريا مهما. عرفت هذه المدينة منذ مئات السنين بتجارة الحرير والخزف القادم من الصين، والمنسوجات من الهند، والكافور من برونيو، وخشب الصندل من تيمور، والذهب والورق من سومطرة، والعود والبخور من اليمن، ومع بداية القرن السادس عشر أصبحت ملاكا ميناء عالميا نشطا تستقبل مئات السفن في السنة الواحدة.
منفذ التجارة والإسلام
لقد كانت ملاكا منفذا دخل منه التجار المسلمون من بلاد العرب وبلاد الهند، وقد اختلف المؤرخون في انتشار الإسلام في هذه المدينة، ومنها إلى سائر أرجاء ماليزيا، فمنهم من قال أنه انتشر عن طريق التجار العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية، وخاصة تجار اليمن، حيث تحط سفنهم التجارية في معظم دول الشرق الأدنى ودول جنوب شرق آسيا، ويرجعون الفضل بعد الله لهم في نشر الإسلام بمدنية ملاكا، ومن ثم في شبه جزيرة ماليزيا، وذلك بحسن معاملاتهم التجارية وأخلاقهم الإسلامية الحسنة.
ويلاحظ في بعض الكلمات الماليزية كلمات عربية دخيلة عليها وخاصة في المفردات الشرعية. وكانت الكتابة الجاوية منتشرة في البلاد، والتي استعيرت حروفها من اللغة العربية مع زيادات وتعديلات للدلالة على أصوات لا نظير لها في اللغة العربية، وقد اندثرت هذه الكتابة إبان الاستعمار البريطاني للبلاد لكنها مازالت متداولة في وقتنا الراهن عند قلة من أهالي البلاد لاسيما كبار السن.
وهناك مصادر أخرى تقول إن الهنود هم من نشروا الإٍسلام في ملاكا، وذلك بسبب العلاقة القديمة التي تربط شبه الجزيرة الماليزية بالهند سواء التجارة أو الاجتماعية في القرن الثالث والرابع، وقد تأثر الملايويين بديانتهم الهندوسية وثقافاتهم وعاداتهم قبل دخول الإسلام إليها عن طريق التجار العرب. فالثقافة الهندية هي أول ما تأثر به الملايويون في القرون الأولى، وذلك ملاحظ في معظم الحكايات الملايوية القديمة والمقتبسة من الحضارات الهندية القديمة، ومنها حكايتا رمايانا ومهابراتا المشهورتان، ولم يقتصر التأثير الهندي في القصة الملايوية على الشخصيات وحبكة القصة فحسب بل تعدت إلى الألفاظ في الحياة اليومية أيضا.
وفي محاولة مني لربط تشعب الآراء في مصدر دخول الإسلام إلى شبه الجزيرة الماليزية، فقد عرضت قناة العربية برنامجا وثائقيا عن هجرة الحضارم، وذكرت فيما ذكرته أن هناك بعض التجار الحضارم الذين اتخذوا من الهند مقرا لهم ومستودعا، فلعل أولئك الحضارم العرب المسلمين هم من نشروا الإسلام في شبه الجزيرة الماليزية آنذاك، وقد كانوا قوما تجارا ودعاة وعلماء ومصلحين، فنسب فضل دخول الإسلام إلى ماليزيا للهنود.. على كل حال أيا كان مصدر دخول الإسلام إلى ماليزيا من خلال هذه المدينة العريقة، فإن الغرض الأساسي هو رفع راية التوحيد في كافة أرجاء المعمورة.
سلطنة واستعمار
هذا وقد كان لاعتناق باراميسوارا مؤسس هذه المدينة الإسلام أثر كبير في اتباع أقرانه وأتباعه للإٍسلام، بعد أن كانوا يعتنقون البوذية، فغير باراميسوارا-وهو في الأصل لقب هندي للملوك في تلك الأزمان- اسمه إلى راجا إسكندر شاه، وتعني (راجا) باللغة الماليزية الملك، ثم اتخذ ملوك ولاية ملاكا اسم (السلطان) ولم يزل يعمل به حتى الآن على مستوى ملوك ماليزيا. وقد كان السلطان يتمتع بسلطة شبه مطلقة والرعية يقسمون ولاء الطاعة وكبير الاحترام له.
وقد اعتلى عرش سلطنة ملاكا عبر تاريخها قبل الاجتياح الاستعماري ثمانية ملوك، يأتي في مقدمتهم، راجا إسكندر شاه (باراميسوارا)، ثم ابنه ميقات إسنكدر، ثم راجا تينقاه شاه بن ميقات إسكندر، ثم راجا إبراهيم بن راجا تينقاه، ثم السلطان مظفر شاه بن راجا إبراهيم، ثم السلطان منصور شاه بن السلطان مظفر شاه، ثم السلطان علاء الدين ريات شاه بن السلطان منصور شاه، ثم السلطان محمد شاه بن السلطان علاء الدين.
ولكن سلطنة ملاكا لم تدم طويلا فقد بدأ عصر الاكتشافات في أواخر القرن الخامس عشر، وانتشرت سفن البرتغاليين كالوباء في عرض البحار كانوا يبحثون عن أسواق للتجارة، وجاءت أولى سفنهم إلى شواطئ ملاكا وتلقوا أولى الهزائم ولكنهم عادوا من جديد في أسطول أقوى بقيادة أفونسو دي البوكويركيو، الذي استولى على "ملاكا" في عام 1511. عندها هرب آخر سلاطينها السلطان محمد شاه بن السطان علاء الدين مستنجدا سلطان جوهور وسلطان آتشيه آنذاك، وقد حاول الملايويون من هاتين السلطنتين استعادة ملاكا دون نجاح، وذلك للحصون التي اتخذها البرتغاليون، والمعروفة بـ (أفاموسا) ولم يبق منها الآن سوى بوابته التي تسمى بـ (بورتا دي سينتياغو). وتعد مدينة أفاموسا والتي تعني (الشهير) باللغة البرتغالية من بين أقدم بقايا الطراز المعماري الأوروبي في آسيا، ويتألف الحصن من أسوار طويلة وأربعة أبراج رئيسية.
لقد حمت أفاموسا البرتغاليين مدة 150 سنة إلى أن جاء الهولنديون عام 164، وبعد ثمانية شهور من الحصار العنيف أصبحت ملاكا تحت سيطرة الهولنديين لمدة قرن ونصف، بعدها قام الهولنديون بالتخلي عن الحصن لصالح البريطانيين في بداية القرن التاسع عشر ليمنعوا سقوطه في ثورة نابليون الفرنسية، والتي اجتاحت هولندا الأروبية.
وقد رد البريطانيون مدينة ملاكا للهولنديين في عام 1808، لكنهم استعادوها مرة أخرى لأغراض تجارية بعد معاهدة مع الهولنديين، وظل حكم البريطانيين في هذه المدينة وشبه الجزيرة الماليزية إلى أن تم إعلان استقلال البلاد في اليوم الحادي والثلاثين من شهر أغسطس، عام ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين. وقد شهدت ساحة المحاربين في ولاية ملاكا، أول احتفال لاستقلال البلاد بزعامة أول رئيس للوزارء الماليزي تونكو عبدالرحمن بوترا الحاج.
حضارة وتاريخ
هذا هو تاريخ ملاكا، مدينة التراث والحضارة، كل جزء منها يعبر عن تراث عريق، وكل جانب فيها يحكي قصة أسطورة خيالية.. منها ما رصدت في الكتب والمخطوطات، ومنها ما دفنت تحت أكوام التراب.. كيف لا وهي مسقط رأس الدولة، ومنبع تأسيسها، ويبدوا هذا واضحا من خلال كل المبانى والمرافق التى توضح مدى قدم المدينة، من مساجد ومعابد وحصون وطرق وشوارع ومباني.
ومع اكتساب الطابع التاريخي لهذه المدينة العريقة، إلا أن مشاهد الحضارة والتمدن والتقدم فيها يزداد ابتهاجا وتطورا منذ استقلال البلاد، ليس في المظهر الخارجي للمدينة فحسب، بل أيضا في المظاهر السلوكية المتنوعة بين سكان هذه المدينة الصغيرة، والتي تعد ثاني أصغر ولاية في ماليزيا بعد ولاية برليس.
ومن الأماكن الحضارية والترفيهية في المدينة، منتجع (أفاموسا) في منطقة (ألور قاجا) والذي يضم العديد من الأماكن الترفيهية، والمطاعم، والمرافق السياحية. كما أن بحيرة (آير كيروه) يعد مكانا جذابا لمحبي الرياضات المائية وصيد السمك والمناظر الخلابة. ناهيك عن حديقة الفراشات التي تعد من بين أكثر حدائق العالم غزارة بالفراشات والحشرات، حيث تضم أكثر من 200 نوع محلي من الفراشات، وأكثر من 400 نوع من الحشرات.
وهناك أيضا مزرعة التماسيح، وهي المزرعة الكبرى من نوعها في ماليزيا، تمت توسعة المزرعة منذ افتتاحها عام 1987لتشتمل على أقسام أخرى للزواحف، تضم أكثر من 200 تمساح من أنواع مختلفة من جميع أنحاء العالم. إضافة إلى حديقة الحيوانات، التي يعود تاريخها إلى عام 1963م، وتضم الحديقة حالياً أكثر من 1200 نوع تشمل الطيور والثدييات والزواحف والبرمائيات، وحيوانات الحديقة غير محبوسة داخل أقفاص، ولكنها تتجول بين أرجاء البيئة الطبيعية الخضراء.
وعلى بعد أمتار عن مدخل المدينة تقع حديقة ماليزيا وآسيا المصغرة (ميني ماليزيا/آسيا)، وتحتوي المنطقة على حديقة ملاه كبيرة تعكس ثقافة وحياة الناس في ماليزيا خاصة وفي آسيا عامة. وتحتوي على نسخ مطابقة للتصاميم المختلفة للبيوت التقليدية الماليزية، ويوجد بداخل كل بيت صناعات يدوية متنوعة ومنبثقة من ثقافة كل ولاية أو بلد. وعلى بعد
عدل وتسامح
وبتزاوج هذا الخليط الحضاري والترفيهي والتاريخي فإن لمدينة ملاكا أثرا بليغا في توطيد أواصر الماضي بالحاضر، والحفاظ على التراث الذي يعد منبعا رئيسيا للماليزيين، وخاصة في تعدد أصولهم العرقية من الثقافة الملايوية، والسكان الأصليين، والثقافة الهندية والعربية، و الثقافة الصينية، وثقافات المستعمرين من الإنجليز والهولنديين والبرتغاليين، إضافة إلى بعض المهاجرين إليها والمغتربين فيها، كل هذه الثقافات أضافت على المجتمع في مدينة ملاكا خاصة، وماليزيا عامة مزيجاً من الثقافات العالمية والذي كان المحفز الرئيسي لاستقرار ونمو الدولة.
هكذا أثبتت الرؤية الثاقبة للتعددية العرقية في ماليزيا نجاحها في إخماد الثورات العرقية والحروب الأهلية في البلاد، تحت مبادئ أساسية من التوعية العلمية والعملية في نشر العدالة الاجتماعية لترسيخ القيم المعنوية والمعايير الأخلاقية السامية في ظل وجود أكثر من ثلاثة أعراق في مجتمعها.
ولعل أكثر ما يعزز هذا التضامن الاجتماعي هو العدل والتسامح الذي ينتهجه المسلمون في ماليزيا، فالدستور الماليزي الذي يدين بالإسلام بشكل رسمي، يعطي لكل فرد في المجتمع الحق في ممارسة طقوسه الدينية والاحتفال بأعيادهم الشعائرية حفاظاً على استقرار وبناء الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، ليأتي في المقام الأول تحقيق المنفعة العامة للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية.
كتبها عبدالله بوقس في 04:47 صباحاً ::
الاسم: عبدالله بوقس
