اعتقادات الزنبيل والبيت العتيق: قديمك نديمك

كتبهاعبدالله بوقس ، في 24 نوفمبر 2008 الساعة: 14:21 م

971122

 

 

 

الزنبيل في عرف المكيين شيء مصنوع من النايلون الخفيف يوضع في داخله شيء أو أشياء يحفظها من التلف وعبث الباحثين عنها، وفي رواية أخرى يقال له الكيس، وفي لسان العرب الزَنبيل والزِنبيل لغة في الزّبيل، ويقال أن الزنبيل الكبير المصنوع من الجلد يطلق عليه لفظة “حَفْص” كما ذكره الثعالبي في فقه اللغة.

وكان الزنبيل من الأوعية المعروفة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام واتخذ لحمل الأطعمة الجافة وحفظها كالتمور والبقول، كما استمر استعمال الزنبيل في الفترات الإسلامية اللاحقة فقد ورد له ذكر عند الجاحظ في كتابه البخلاء قوله: “فيعلق عليه الزبل والكيران وما إلى ذلك”.

للزنبيل أو الكيس حكاية تعلقت ببيت الله الحرام.. فمنذ نعومة أظافرنا كنا نذهب إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة باصطحاب والدينا وكنا قبلها نستعد بالاستحمام متحملين ماء الفجر البارد، نقوم بعدها بارتداء أبيض الثياب بعد بزوغ نور القوام تأهبا للطواف وزيارة المسجد الحرام.

الشاهد في الموضوع أننا كنا نأخذ معنا زنبيلا تضعه والدتي رحمة الله عليها في حقيبتها ونحرص كل الحرص على أن يكون الزنبيل كبيرا وواسعا، أسودا أو غير شفاف.

وما إن نصل إلى بوابة الحرم حتى يهرع أي منا -أي أخوتي- إلى أخذ الزنبيل من الحقيبة.. لكن لماذا الزنبيل؟ وما علاقته بالمسجد الحرام؟!! كنا نحمل الزنبيل لنضع فيه أحذيتنا حتى لا تتفرق وتكون في مكان واحد وعلى مقربة منا.

لقد اقترن الزنبيل بالذهاب إلى المسجد الحرام في فكري منذ أيام الطفولة حتى بات في خلدي من ذكرياتي الماضية والتي لا تساق على سياق عصرنا الحديث أو ما يعرف بعصر العولمة!! فلم نعد في هذه الأيام نحمل الزنبيل عند ذهابنا إلى المسجد الحرام.

لم يخطر ببالي أن يهز هاجس الزنبيل وجداني لأكتب مقالا في هذا الاقتران العجيب مابين الزنبيل والبيت العتيق إلى أن رأيت شيخا كبير في السن على مشارف السبعين، نحيل القوام، مشدود العضل، يجلس في جنبات بيتنا، أتى لأداء فريضة الحج، وقد رأيته أكثر من مرة وقبل انطلاقه إلى المسجد الحرام يقوم بالبحث عن زنبيل صغير ليضعه في حقيبته.

يا للهول.. ما هذا لقد امتدت اعتقادات الزنبيل وتعلقه بالذهاب إلى البيت الحرام لتلتصق في أذهان حجاج بيت الله الحرام أيضا، والهول كل الهول أن يعتقدوا أنه من واجبات الحج أو من سنن زيارة المسجد الحرام!!.

وفي صبيحة يوم جميل استيقظت قبيل الفجر بعد نوم مبكر -على غير العادة- أحسست وقتها بحماسة الشباب وروح الإيمان فقررت أن أؤدي فرض الصبح في المسجد الحرام.

وبينما كنت أرتدي ثوب الصلاة لمحت زنبيلا على طاولة البيت حرك في نفسي هاجس الحاج الذي كنت أسخر من فعلته التقليدية فتركت الزنبيل خلف ظهري مترجلا نحو المسجد الحرام.

ياااااه… يا له من روح إيمان عميق في فجر يوم تفتحت فيه أسارير وجهي ووجداني على مسامع صوت شيخ المؤذنين بالحرم المكي الشريف الشيخ علي ملا.

كان الناس والحجيج محتشدين عند بوابة الحرم كلٌ يلبي نداء الحق في مظهر روحاني ووجداني لا يفرق بين عربي أو أعجمي إلا بتقوى الله سبحانه عز وجل.

وما إن قاربت من البوابة حتى خلعت فردتي حذائي وأطبقتهما لأحملهما بيدي اليسرى عابرا الممر الموصل إلى صحن الكعبة.

وقبل الوصول إلى صحن الكعبة جرت العادة أن نضع أحذيتنا في دولاب رفوف مخصصة لذلك والغريب أنك لا ترى هذه الرفوف إلا في الحرم القديم، أما التوسعة الجديدة فقلما تجدها هنالك وكأن علاقة القَدم بالقِدم أصبحت قديمة قِدم الأزل.

وضعت حذائي الإيطالي منشأً والماليزي ابتياعاً في دولاب الأحذية المكون من ثلاثة رفوف، وقد كان نصيب حذائي أن اتخذ ركنا مسالما على يمين الرف الثاني.

وفي الدولاب زنابيل عديدة بداخلها أحذية أو غير أحذية.. لا أعرف محتواها!! ومن المؤكد أنها أحذية لكن لا يُعرف نوعها أو صناعتها أو جودتها إلا إذا فُتحت!!.

أديت صلاة الفجر بروحانية تركتها منذ أمد ليس ببعيد على مسامع صوت الشيخ صالح بن حميد.. وطفت بالبيت العتيق سبعا من الأشواط أعدها عدا كلما تجاوزت الحجر الأسود..

وفي الطواف ترى من يحمل كتاب الأدعية يقرأها، وترى من يحمل مصحفا يرتل آياته، ومنهم من يحمل علما أو شيئا بارزا ليتبعه متبعوه، ومن كل ذلك كله جذب ناظري عجوز أهلكه الدهر يمشي الهويني، وكان يتأبط زنبيلا فيه حذائه.

فقلت: إن للزنبيل في عبرات حامله منظر يرجع إلى مشهد عليه غبار الأيام والسنين وكأنه لم يحرك ساكنا من قِدمه في المظهر والملبس والزنبيل أيضا، فقلما تجد شابا يحمل كيسا ليضع فيه حذائه.

وبعد قراءة بعض آيات الذكر الحكيم في صحن الحرم ودعت الكعبة المشرفة واتجهت عائدا صوب رفوف الأحذية في طريقي للعودة إلى المنزل.

وبالمقربة من رفوف الأحذية أحسست بقبضة في قلبي وكأني استشعر جُرما ما سينفذ ضدي، وما إن التقت عيناي بالركن المسالم والواقع على يمين الرف الثاني من دولاب الأحذية إذ لا وجود ولا أثر لحذائي الإيطالي!! عندها سلمت نفسي وأيقنت أن الحذاء قد سُرق بأيدي لا تخاف الله حتى في بيته الحرام..

وفي إطلالة يأس أقبل على دولاب الأحذية شيخ طاعن في السن ليأخذ زنبيله من الرف مخرجا منه حذائه ومتوكلا على الله ثم على الزنبيل في حفظ حذائه من السرقة والضياع.

عندها أيقنت أن للزنبيل علاقة غير مباشرة بالبيت العتيق وذلك للحد من جُرم سارقي الأحذية فيه، بحيث إذا كان الحذاء داخل الكيس فقد لا يأبه السارق به، لأن عملية السرقة تكون في ثوان لا تسمح للسارق فتح الزنبيل لمعرفة نوعية الحذاء.

أما إذا مدد الحذاء ظهره ولم يحتم بحصن الزنبيل فسيكون لك إن حالفك الحظ في بقائه أو يكون لسارقي الأحذية في بيت الله الحرام وبجوار الكعبة المشرفة!! والله المستعان.

فاحرص على اقتناء الزنبيل ففيه لا شك مأمن من دواعي السرقة والضياع في البيت العتيق، ودع عنك سياق العصر الحديث والعولمة في هذا الشأن، فقديمك هو نديمك.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : داخل الأسوار | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “اعتقادات الزنبيل والبيت العتيق: قديمك نديمك”

  1. هاهاها والله زكريات

    عموماً كما ذكرت الإعتقادات وصلت إلى ماليزيا وموجوده وتمارسها جميع شركات الحج في ماليزيا
    ونحن من ضمن الشركات التى توفر للحاج (الزنبيل) طبعاً ليس الزنبيل المتعارف عليه لكن أخذ حقه من التطور فأصبح عباره عن كيس قماش ويكون بالون موحد مع باقي الحقائب التي تهديها الشركات للحجاج وكل شركة بلون مغاير عن الأخر ودخل أيضاً عينه مصغرة من الزنبيل ليضع فيه الحاج حصوات الجمرات

    أخوك أبو غدي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر