فلسفة الصبر في عقول العزّاب

كتبهاعبدالله بوقس ، في 17 أبريل 2009 الساعة: 17:10 م

 
 يسألوني عن العزاب قل هم أهل الصبر والسلوان، يجمعون القرش فوق القرش حتى ينالوا رفقة الخلان.. لم يشئوا الخطو على دروب العزوبية، لكن قدر السنين ساقهم إلى فترة من فتراتها يسمونها بـ "فترة الصبر".. يعللون بقلة الحيلة، وهوان النفس، وكثرة مغريات الحياة، ويحاولون بذلك استعطاف قلوب أولياء الأمور كي يرمقوا فيهم نظرة استعطاف ولين للخروج من هذه الفترة بعد سنين عجاف تراكمت فيها أسباب التعاسة على أكتافهم طبقات حتى ما عادوا يتحملون حملها.
ومع أن بعض الآراء تدعي جزافا بأن العزاب يحسدون على حياتهم البسيطة والبعيدة عن تحمل المسئولية وعبء الحياة، حتى أن الجاهل فيهم يحسبهم متزوجون من حسن الهندام وراحة البال، إلا أنهم ينامون كل ليلة على شاشة الأحلام يقلبون فيها قنوات الشقراوات والخضروات والحمراوات وأتراب الخصر النحيل والشعر المجعد إلى غيرهن من العابرات على أدمغتهم بعد يوم كامل يقضونه في مجاهدة النفس والروح لتجاوز مشقة الصبر على الزواج.
الصبر في مفهومه الفلسفي صفة أخلاقية حميدة، تنبع بعد إحداث عمل يشكل صفة ذاتية.. فالرغبة في الزواج في ظل العوائق والمصاعب صفة ذاتية في الإنسان، تعبر عنها صفة أخلاقية مفادها التحمل والصبر على الحاجة إلى التواصل الحيوي مع الجنس الآخر، أو البحث عن الهوية في مجتمع المتزوجين، أو المحاولة لتطوير نمط الحياة مع شريك العمر، إضافة إلى الضغوطات الخارجية وانتقادات الأهل والأصدقاء.
ومشقة الصبر على الزواج تعود إلى مدى قوة وضعف الداعي إليه في المجتمع الذي يعيش فيه العازب، فإذا كان المجتمع يترجح فيه قوة الداعي إلى الزواج كان الصبر أشق شيء على العازب، وإذا لم تجتمع نقاط الضعف والقوة سهل الصبر عليه، وخير الأمور التأرجح مابين قوة الداعي إلى الزواج وضعفه، وذلك بحسب عقلية وتفكير العازب.
وهذه الفلسفة المتأرجحة ما بين البعد عن قوة الداعي إلى الزواج وضعفه لن تسمو بالنفس العزوبية إلى تحقيق آمالها وطموحها في الدخول إلى القفص الذهبي إلا بعد تحمل الآلام والمصاعب، والمثابرة على ضبط النفس والصمود، والممارسة على تحلي الصبر أمام مغريات الحياة التي لا مفر منها.
يقول العالم النفساني ريتشارد كارلسون "الصبر من صفات القلب التي يمكن زيادتها بدرجة كبيرة عن طريق الممارسة والتدريب، والصبر هو إحدى الصفات الفريدة التي تولد النجاح، وبدون الصبر يمكن أن يتحول الموقف إلى حالة طوارئ تامة، بما فيها من صياح وإحباط ومشاعر مجروحة وارتفاع في ضغط الدم". وصدق الشاعر حين قال:
وقل منجد في أمر يحاوله
و استصحب الصبر إلا فاز بالظفر
لكن فئة من الناس استنكفوا مشقة الصبر على الزواج ودخلوا في حالة طوارئ غريبة.. ضربوا في أطناب العزوبية عمرا، متمسكين بقرار اجتماعي -ولا أظنه جماعي- في الإيواء إلى فرش العزوبية، فقاموا بتأسيس حزب يميني متطرف شعاره "العزوبية تاج على رؤوس الشباب لا يشعر بها إلا المتزوجون الذين أقبلوا على زواج ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب".
وفي ذلك يقول كلاركسون وهو أحد الأخصائيين الاجتماعيين "إن كثيرين ممن يختارون حياة العزوبية إنما يختارونها بدافع الخوف، كالخوف من الالتزام أو الاعتماد على الشخص الآخر أو الخوف من الهجر، وقد يريح بعض الناس أن يبقوا تلك المخاوف خفية، ويبقوا عزابا بدلا من فضح الجراح القديمة والتعامل مع المخاوف المتأصلة".
والناس في هذا اليمين المتطرف يستثمرون كنز الفراغ في ألعاب البلايستيشن والتربيع وصالات البلياردو والبولينج والتسكع في الشوارع.. منهم من استمر على ذلك، ومنهم من قرر الإلحاد عنهم، والإيمان بمشقة الصبر على الزواج.. والصبر في مثل هذه الحالة أشد على العازب المعذب من لعق صَبِر الصبار في بلوغ المجد، لكن حلاوة الظفر في نهاية الأمر تمحو مرارة الصبر.
ومن هؤلاء العزاب الذي ألحدوا عن اليمين المتطرف وآمنوا بمشقة الزواج من يعشش في عقولهم شياطين الجن، منهم الطالحون ومنهم فوق ذلك سلكوا طرائق قددا، ومن هؤلاء الذين سلكوا طرائق قددا عزاب يساريون، يعيشون لعنة العزوبية المدهونة بين شطيرتي العذاب في فرن القفص الصدري، وينامون منغصين بكوابيس المباريات الودية، حالمين بلقب بطولة الدوري!! ويصرخون بصمت في شققهم الواسعة يناجون غرفها الخالية، وفيه يقول الشاعر:
فاصرخ صموتا إن كنت عازبا
وادفن فؤادك إن أردت زواجا
لذلك فإن بعض الدراسات النفسية تشير إلى أن كثيرا من العزاب يرون الإحساس بالوحدة هو أحد الصراعات الكبيرة في حياتهم. تقول العالمة النفسانية بينر "عندما نتحدث مع العزاب، فإننا نسمعهم يتحدثون عن الحاجة إلى التواصل الحيوي مع شخص ما، خصوصا مع الجنس الآخر، وذلك لإحساسهم وصراعهم الكبير مع الوحدة وحاجتهم إلى النصف الآخر".
وصدق الشيخ والأديب علي الطنطاوي رحمة الله عليه حين وصف حالة العزاب قائلا "كأن الناس يوم خلقوا قسموا أنصافا ونثروا، فمن وجد نصفه صار إنسانا،ومن وجد غيره صار مسخاً، ومن لم يجد بقي نصف إنسان، فأين أنت يا نصفي الآخر…؟".
العزوبية هي مرحلة عمرية يمر بها كل شاب، لكن منهم من ينجرف خلف الحزب اليميني المتطرف ويعزف عن الزواج نهائيا، ومنهم من يمر بها بصبر واحتساب ليصل إلى بر الأمان، وهم اليساريون المنضبطون قسرا وقهرا على التحلي بأعلى درجات الصبر.
لكن المصيبة والكارثة أن يشعر العازب بأنه قد شارف الوصول والاقتراب من خط النهاية، فيوصد على وجهه أبواب الصد عن الزواج، فما عليه في تلك الحالة الهيجاء إلا إتباع أحد المسلكين مع التوصية بإتباع المسلك الثاني وطبعه على الجبين.. أما المسلك الأول فهو مسلك ما قبل الزواج والإسلام إذ يقول شاعرنا:
إذا حللت بواد لا أنيس له
فاجلد عميرة لا عار ولا خجل
وجلد عميرة كناية عن الاستمناء أو العادة السرية أعاذنا الله من ذلك وأبعدنا من شروره ومضاره، وشر ما يسوق إليه في ظل مغريات وفتن الحياة الدنيا. جاء في القاموس المحيط في ـ فصل العين ـ العَمرُ وأبو عمير كنية للعضو الذكري. وهو مسلك جاهلي فاسد.
أما المسلك الثاني فهو مسلك ما قبل الزواج وبعد الإسلام، ففي حديث عن ابن مسعود في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".
فإن كان العازب مجبورا على المكوث في فترة الصبر وهو في حالة يرثى لها بعد أن أقفل على وجهه أبواب الصد عن الزواج، فعليه بالصوم فإنه له وجاء، وفيه لا شك ممارسة على تقوية العزائم والقدرات على ضبط النفس والتحمل على الصبر والمثابرة في مناوأة الرغبات والشهوات والمغريات التي قد تحط بكرامة الإنسان إلى أسفل السافلين.. هدانا الله سبحانه وتعالى إلى ما فيه خيري الدنيا والآخرة، وألهم العزاب منا الصبر بالصوم إلى أن يأتي الفرج عاجلا أم آجلا بمفتاح الصبر.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : داخل الأسوار | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر